مصطفى صادق الرافعي

107

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

القرآن الكريم ، وعلى عيان حاضر من فصحاء البادية الذين يختلفون إليهم ، ومن أهل العربية وطائفة الرواة « 1 » وهذا كله مما يستند إليه الطبع وإن كان طبع العامة الذين فسدت لغتهم والتوت ألسنتهم . ومر الناس على ذلك إلى أوائل المائة الثالثة ، فلما فشت مقالة بعض المعتزلة بأن فصاحة القرآن غير معجزة ؛ وخيف أن يلتبس ذلك على العامة بالتقليد أو العادة ، وعلى الحشوة من أهل الكلام الذين لا رسوخ لهم في اللغة ولا سليقة لهم في الفصاحة ولا عرق لهم في البيان ، مسّت الحاجة إلى بسط القول في فنون من فصاحته ونظمه ووجه تأليف الكلام فيه ، فصنّف أديبنا الجاحظ المتوفى سنة 255 كتابه ( نظم القرآن ) وهو فيما ارتقى إليه بحثنا أول كتاب أفرد لبعض القول في الإعجاز أو فيما يهيئ القول به ، وقد غض منه الباقلاني بقوله : إنه لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ؛ ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى ( أي الإبانة عن وجه المعجزة ) وذهب عن الباقلاني - رحمه اللّه - أن ما دعا الجاحظ إلى وضع كتابه في أوائل القرن الثالث ، غير الذي دعاه هو إلى التصنيف في أواخر القرن الرابع ، فلم يحاول الجاحظ أكثر من توكيد القول في الفصاحة والكشف عنها على ما بقي بالابتداء في هذا المعنى ، إذ كان هو الذي ابتدأ التأليف فيه ولم تكن علوم البلاغة قد وضعت بعد « 2 » . بيد أن أول كتاب وضع لشرح الإعجاز وبسط القول فيه على طريقتهم في التأليف ، إنما هو فيما نعلم كتاب ( إعجاز القرآن ) لأبي عبد اللّه محمد بن يزيد الواسطي المتوفى سنة 306 ، وهو كتاب شرحه عبد القاهر الجرجاني شرحا كبيرا سماه المعتضد ، وشرحا آخر أصغر منه . ولا نظن الواسطي بنى إلا على ما ابتدأه الجاحظ ، كما بنى عبد القاهر في ( دلائل الإعجاز ) على الواسطي ، ثم وضع أبو عيسى الرماني المتوفى سنة 382 كتابه في الإعجاز ، فرفع بذلك درجة ثالثة ، وجاء القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة 403 فوضع كتابه المشهور ( إعجاز القرآن ) الذي أجمع المتأخرون من بعده

--> ( 1 ) تجد تفصيل هذا في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب ، في باب الرواية والرواة . ( 2 ) وقال الجاحظ في موضع من كتابه « الحيوان » : ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن لتعرف بها ما بين الإيجاز والحذف ؛ وبين الزوائد والفضول والاستعارات ، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنة : لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ وهاتان الكلمتان جمعتا عيوب خمر أهل الدنيا ، وقوله عزّ وجلّ حين ذكر فاكهة أهل الجنة : لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني . ا ه - . وهذا الكتاب غير معروف ولا مسمى ، ولا بد أن يكون قد ألم فيه بأبواب من الكلام في البلاغة استعان بها من بعده في هذا العلم . كما استعانوا بنحو ذلك من سائر كتبه المعروفة .